يرى الباحث تسيغاعب أماري، في تحليل نشره موقع هورن ريفيو، أن الاتهامات المتعلقة بتلقي ميليشيات قبلية متحالفة مع الجيش السوداني تدريبات عسكرية داخل إريتريا، بعلم سلطات بورتسودان الموالية للفريق عبد الفتاح البرهان، تكشف عن تشكل بنية شبه عسكرية جديدة في شرق السودان تتجاوز أبعاد الصراع السوداني الداخلي، وترتبط بحسابات إقليمية أوسع تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي.
ويشير هورن ريفيو إلى أن هذه التطورات تثير مخاوف متزايدة لدى القوى المدنية في شرق السودان، التي حذرت من انتشار الميليشيات المسلحة وتزايد دور الفاعلين الخارجيين في المنطقة، وسط مخاطر تهدد الاستقرار المحلي وتفاقم الأزمات السياسية والأمنية.
شرق السودان ساحة لصراعات إقليمية
يحاجج الكاتب بأن السودان لم يعد مجرد ساحة حرب أهلية أودت بحياة مئات الآلاف ودفعت ملايين الأشخاص إلى النزوح، بل أصبح أيضاً أداة تستخدمها قوى إقليمية لتحقيق أهداف استراتيجية لا ترتبط بالضرورة بمصالح السودانيين أو سيادة دولتهم.
وتحذر تحالفات مدنية في شرق السودان من أن دمج جماعات مسلحة تلقت تدريبات خارجية في النزاعات المحلية قد يدفع المنطقة نحو مزيد من الاضطراب. وترى تلك القوى أن تجاهل مطالب المجتمعات المحلية، وعلى رأسها قبائل البجا والرشايدة، سيقود إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار، خاصة مع اتساع نفوذ الميليشيات في الإقليم.
ويؤكد التحليل أن ظهور شبكات مسلحة مدعومة خارجياً يعكس هشاشة البنية السياسية والأمنية في شرق السودان، حيث تتداخل أزمات النزوح والتهميش والصراع على الموارد مع حسابات إقليمية متشابكة.
إريتريا ومصر وتلاقي المصالح
يفسر الكاتب الدعم الإريتري للجيش السوداني باعتباره امتداداً لحسابات الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الذي يرى في انتصار قوات الدعم السريع تهديداً مباشراً لأمن بلاده، نظراً لما قد يمثله ذلك من صعود قوة مدعومة من الإمارات على الحدود الغربية لإريتريا. لذلك تفضّل أسمرة بقاء سلطة يقودها البرهان، باعتبارها أكثر توافقاً مع المصالح الإريترية.
وفي هذا السياق، يصف التحليل تدريب الميليشيات القبلية على الأراضي الإريترية بأنه استثمار منخفض التكلفة يسمح لإريتريا بالتأثير في مسار الحرب السودانية دون الانخراط العسكري المباشر. كما ينسجم هذا النهج مع سياسة إريترية اعتمدت تاريخياً على توظيف القوى غير النظامية لتعزيز النفوذ الإقليمي.
أما مصر، فيربط الكاتب موقفها بمصالح استراتيجية طويلة الأمد داخل السودان. ويؤكد أن الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه القاهرة للجيش السوداني يعكس رغبتها في الحفاظ على شريك إقليمي متوافق مع رؤيتها للأمن الإقليمي وقضايا حوض النيل.
ويرى التحليل أن المصالح المصرية والإريترية أصبحت متقاربة بدرجة تجعل التنسيق المباشر بينهما أمراً غير ضروري في بعض الأحيان، إذ يشترك الطرفان في دعم الجيش السوداني والسعي إلى قيام نظام سوداني ما بعد الحرب يحد من توسع النفوذ الإثيوبي باتجاه البحر الأحمر.
إثيوبيا في مواجهة ضغوط متعددة
يعتبر الكاتب أن السياسات المصرية خلال الأعوام الأخيرة اتجهت نحو بناء شبكة علاقات إقليمية تؤثر بصورة غير مباشرة في المجال الاستراتيجي الإثيوبي. ويستشهد بتعزيز التعاون الدفاعي بين مصر والصومال، وتكثيف التنسيق العسكري والدبلوماسي بين القاهرة وأسمرة، إضافة إلى تعميق العلاقات مع الجيش السوداني.
ورغم اختلاف أهداف هذه العلاقات ظاهرياً، يرى التحليل أنها تشكل في مجموعها منظومة إقليمية تحد من هامش الحركة الإثيوبي وتقلص المكاسب الجيوسياسية التي قد تحققها أديس أبابا نتيجة نموها الاقتصادي ومشروعاتها الكبرى.
ويشير الكاتب إلى أن إثيوبيا تواجه تحديات إضافية بسبب الموقع الجغرافي لشرق السودان، حيث تتركز الميليشيات الجديدة بالقرب من الحدود الإثيوبية وممرات محتملة نحو ميناء بورتسودان. ويضيف أن استمرار هذا الوضع قد يعقّد مساعي أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر ويضعف قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها قوة استقرار إقليمية.
ويخلص التحليل إلى أن أهمية شرق السودان تجاوزت حدود الحرب السودانية نفسها، إذ تحول الإقليم تدريجياً إلى ساحة تنافس جيوسياسي بين قوى إقليمية تسعى إلى التأثير في مستقبل القرن الأفريقي وحوض النيل. وبحسب الكاتب، فإن دعم مصر وإريتريا لترتيبات سياسية وأمنية معينة داخل السودان يعكس سعياً إلى تقييد الخيارات الاستراتيجية الإثيوبية، ما يجعل شرق السودان نقطة محورية في الصراع على النفوذ الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
https://hornreview.org/2026/06/19/egypt-eritrea-and-the-militarization-of-eastern-sudan/

